المقريزي
45
المواعظ والإعتبار في ذكر الخطط والآثار ( ط بيروت )
ملك مصر ، وكان جميع أهل الأرضيين يحتاجون إلى مصر ، وأما الأنهار فكانت قناطر وجسورا بتقدير وتدبير حتى أن الماء يجري من تحت منازلها وأفنيتها فيحبسونه كيف شاءوا ، فهذا ما ذكره اللّه سبحانه في مصر من آي الكتاب العزيز بصريح الذكر . ( وأما ) ما وقعت إليه الإشارة فيه من الآيات فعدّة . قال تعالى : وَلَقَدْ بَوَّأْنا بَنِي إِسْرائِيلَ مُبَوَّأَ صِدْقٍ [ يونس / 93 ] ، وقال تعالى : وَآوَيْناهُما إِلى رَبْوَةٍ ذاتِ قَرارٍ وَمَعِينٍ [ المؤمنون / 50 ] . قال ابن عباس ، وسعيد بن المسيب ، ووهب بن منبه : هي مصر ، وقال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم عن أبيه : هي الإسكندرية ، وقال تعالى : فَأَخْرَجْناهُمْ مِنْ جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ وَكُنُوزٍ وَمَقامٍ كَرِيمٍ [ الشعراء / 57 ] ، وقال تعالى : كَمْ تَرَكُوا مِنْ جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ وَزُرُوعٍ وَمَقامٍ كَرِيمٍ وَنَعْمَةٍ كانُوا فِيها فاكِهِينَ [ الدخان / 25 ] . قال ابن يونس في قول اللّه سبحانه : فَأَخْرَجْناهُمْ مِنْ جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ وَكُنُوزٍ وَمَقامٍ كَرِيمٍ [ الشعراء / 57 ] . قال أبو رهم : كانت الجنات بحافتي النيل من أوّله إلى آخره من الجانبين ما بين أسوان إلى رشيد ، وسبعة خلج : خليج الإسكندرية ، وخليج سخا ، وخليج دمياط ، وخليج سردوس ، وخليج منف ، وخليج الفيوم ، وخليج المنهى متصلة لا ينقطع منها شيء عن شيء وزروع ما بين الجبلين كله من أوّل مصر إلى آخرها مما يبلغه الماء ، وكان جميع أرض مصر كلها تروي يومئذ من ستة عشر ذراعا لما قد دبروا من قناطرها ، وجسورها . قال : والمقام الكريم : المنابر كان بها ألف منبر . وقال مجاهد وسعيد بن جبير : المقام الكريم : المنابر ، وقال قتادة : ومقام كريم أي حسن ونعمة كانوا فيها فاكهين ناعمين . قال : أي واللّه أخرجه اللّه من جنانه ، وعيونه ، وزروعه حتى ورطه في البحر . وقال سعيد بن كثير بن عفير : كنا بقبة الهواء عند المأمون لما قدم مصر فقال لنا : ما أدري ما أعجب فرعون من مصر حيث يقول : أليس لي ملك مصر ؟ فقلت : أقول : يا أمير المؤمنين ، فقال : قل يا سعيد ، فقلت : إنّ الذي ترى بقية مدمّر لأنّ اللّه عزّ وجلّ يقول : وَدَمَّرْنا ما كانَ يَصْنَعُ فِرْعَوْنُ وَقَوْمُهُ وَما كانُوا يَعْرِشُونَ [ الأعراف / 137 ] قال : صدقت ، ثم أمسك ، وقال تعالى : وَنُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوارِثِينَ وَنُمَكِّنَ لَهُمْ فِي الْأَرْضِ وَنُرِيَ فِرْعَوْنَ وَهامانَ وَجُنُودَهُما مِنْهُمْ ما كانُوا يَحْذَرُونَ [ القصص / 5 ] ، وقال تعالى مخبرا عن فرعون أنه قال : يا قَوْمِ لَكُمُ الْمُلْكُ الْيَوْمَ ظاهِرِينَ فِي الْأَرْضِ [ غافر / 29 ] ، وقال تعالى : وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ الْحُسْنى عَلى بَنِي إِسْرائِيلَ بِما صَبَرُوا وَدَمَّرْنا ما كانَ يَصْنَعُ فِرْعَوْنُ وَقَوْمُهُ وَما كانُوا يَعْرِشُونَ [ الأعراف / 137 ] ، وقال تعالى مخبرا عن قوم فرعون : أَ تَذَرُ مُوسى وَقَوْمَهُ لِيُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ [ الأعراف / 127 ] يعني أرض مصر ، وقال تعالى حكاية عن يوسف عليه السلام أنه قالَ اجْعَلْنِي عَلى خَزائِنِ الْأَرْضِ إِنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ [ يوسف / 55 ] . روى ابن يونس عن أبي نضرة الغفاريّ رضي اللّه عنه قال : مصر خزائن الأرض كلها ، وسلطانها سلطان الأرض كلها ألا